حيدر حب الله
366
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
هذا السياق صار موضوع فلسفة الظنون على تماس كبير بمسألة السنّة المحكية في العقل الشيعي ، وهو ما يفرض علينا تناول هذا الموضوع هنا . في السياق نفسه ، كانت محاولة الأصولي عقلنة الظن ، فالظن شاهد منطقي ناقص ، لكنه عدّتنا المتوفرة للإبحار داخل الوثائق الموروثة ، وهذا ما يتطلّب جهدا بليغا لعقلنة وتبرير وتفسير المشروع الشيعي للاعتماد على الظن ، والاتكاء على سلسلة نصوص لا تعدو أن تكون محتملة ، كيف يمكن بناء نظام فكري ديني على أساس الظنون ؟ ! يجب أن لا نستهين بهذا التساؤل ، فقد أرّق العقلاء الشيعة سنين طويلة . ولكي يدخل العقل الشيعي سياق العقلنة هذه ، كان مضطرا لاستخدام النطاق العقلي ، فقد لاحظنا سابقا أن الوحيد البهبهاني وأجيال مدرسته سلكوا سبلا عقلانية لمواجهة الأحداث الفكرية الصاخبة التي عاشوها ، فعند ما يدخل الظهور الدلالي - وكذا الصدور الحديثي - إطار الظن فلن يكون بالإمكان تبرير الظن بالظن ، إذا ، كان الأصولي مضطرا لتوظيف إمكانات أخرى خارج إطار النصوص - لأنها ظنية - فكانت النزعة العقلية والعقلانية ملاذه الوحيد ، ساعد ذلك جوّ من النفوذ الفلسفي في الدراسات الشيعية منذ عصر الخوانساري ( 1099 ه ) صاحب مشارق الشموس . وبهذا تحوّل الدرس الشيعي في موضوع الظن ، وبالتالي السنّة المحكية ، إلى درس ذي طابع عقلي عقلاني ، حتى وجدناه يفرط أحيانا في عقليته وتجريديّته . من هنا ، وجدنا تركيزا في هذه الحقبة على مسائل عقلية عقلانية ، سنستعرضها قريبا ، موضوع دليل الانسداد ، والأدلّة العقلية المشادة على إثبات أخبار الآحاد ، إلى جانب حجية الظنون أيضا ، وكذلك موضوع حجية الخبر مع الواسطة ذي الطابع العقلي الدقيق ، وعلى المنوال نفسه موضوعة السيرة بقسميها العقلائي والمتشرّعي بوصفها نزوعا نحو مداخل عقلانية . . . كلّها شواهد تؤكد الفرضية التي نتبناها ، إلى جانب البحث العقلي في إجزاء الحكم الظاهري عن الظاهري وعن الواقعي أيضا . لهذا ، سوف نستعرض - بإذن اللّه تعالى - في هذا الفصل جملة التطوّرات التي شهدتها نظرية السنّة عند الإمامية ، مستبعدين فعلا موضوعين هامين جدا في تكوين المشهد في القرون الثلاثة الأخيرة ، وهما : ظنية السنّة ، وحجية ظواهر القرآن ، وذلك لأننا تحدّثنا - بتفصيل نسبي - عنهما سابقا ، فلا نعيد . وفي رأينا ، نلاحظ أن أبرز التطوّرات التي شهدتها نظرية السنة يتمثل في المحاور التالية : المحور الأوّل : فلسفة اتباع الظنون ، أو ما يسمّى عند الأصوليين بإمكان التعبد بالظن أحيانا ، أو الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي أحيانا أخرى .